الشريف الرضي
178
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
بقوله تعالى : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ) : فمنهم من يقول إنه أول بيت بني . ومنهم من يقول : أول بيت بني للعبادة كالصلاة والحج والمناسك ، ثم اختلفوا في أول من تولى بناءه ، فقال بعضهم : إبراهيم وإسماعيل ( ع ) ، وقال آخرون : بل كان مبنيا من قبل ، ثم زال البناء بالغرق أيام الطوفان ، وإنما أعاد بناءه إبراهيم وإسماعيل ، حتى أن فيهم من يقول : إنه كان موضعا لتعبد الملائكة قبل خلق آدم عليه السلام ، ويذكر في ذلك اخبارا كثيرة . والذي ثبت بالقرآن أن إبراهيم وإسماعيل بنياه ، فذلك يقين ، وما تقدم موقوف على الخبر الصحيح ، والصحيح : أنه أول بيت وضع للعبادة لا للسكنى ، ودليل ذلك أنه تعالى اضافه إلى الناس إضافة مطلقة ، والاطلاق يقتضي أن تكون الإضافة إلى الناس في حكم يشتركون فيه ، وليس يصح ذلك إلا بأن يكون قبلة لهم ، وموضعا لقضاء حجهم ومناسكهم ، لأنا نعلم أن الأبنية قد كانت من قبل إبراهيم وإسماعيل بالزمان الطويل والمدى البعيد .